السيد كمال الحيدري
143
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الأخيرة وكأثر لانبثاق الوعي الحديث أو بسبب ما يصطلح عليه بصدمة الوعي الأوربى ، بل للمسألة جذور عريقة ولها شعاب ضاربة في عمق الفكر الديني للإنسانية في إطار الأديان السابقة . فقد أطلّت برأسها بدءاً وهى تكتسب الصيغة الإشكالية المعرفية التالية : « كيف نوفّق بين وجود إله قادر على كلّ شئ ، عالم بكلّ شئ من ناحية ، وبين حريّة الإنسان المسؤول أخلاقيّاً من ناحية أخرى » . ثمّ في مرحلة لاحقة من النموّ الإدراكى والعلمي للإنسانية اكتسب معرفياً الصيغة الإشكالية التالية : « كيف نوفّق بين الحرية الأخلاقية وبين فكرة السببيّة وعمومية القانون وشموله » « 1 » . على أنّها أبعد توغّلًا في الحياة الإنسانية والاجتماعية من الصيغ العلمية وإشكالاتها النظرية ، راكزة في عمق اللا شعور الإنسانى منذ العصور السحيقة حتّى الآن ، بحيث يخطئ من يظنّ أنّها زالت تماماً سواء في الشرق أو في الغرب ، ولن تزول لأنّها تعبير عن الارتباط بالمطلق ، إنّما تحتاج إلى تكييف صحيح يعيدها إلى موقعها الصائب في ربط الإنسان بمظاهر قدرة الله ومجاري إرادته الكائنة في الكون والحياة ، بدلًا من أن ييمّم وجهه صوب القوى السحريّة والخرافة أو نحو الحظّ والمجاهيل وبقيّة الألاعيب التي يزدحم بها الواقع الإنسانى المعاصر في المجتمعات الغربية والشرقية على سواء . وهى بهذا الوصف لا تختصّ بالإسلام دون بقيّة الأديان السماوية كما أشاع ذلك بعض الشخصيات الثقافية والسياسية الغربية ، وردّ عليهم الشيخ محمّد عبده قبل أكثر من مئة سنة من الآن بنصّ دالّ جاء فيه : « هل نسي مسيو هانوتو « 2 »
--> ( 1 ) مفهوم الحرية في الفكر العربي الحديث ، د . سليم ناصر بركات ، الطبعة الثانية ، دمشق ، 1984 ، ص 143 . ( 2 ) وزير خارجية فرنسا حينذاك ، الذي نعى على الاسلام إيمانه بالقضاء والقدر ، متحدّثاً عن مسافة تفصل بين المسيحية والاسلام على هذا الأساس . فما كان من الشيخ عبده إلّا أن ردّ عليه في « العروة الوثقى » التي كانت تصدر من باريس منبّهاً / / إلى خطئه في فهم مقولة القضاء والقدر وإلى أنّ المسيحيّة تؤمن بالمقولةأيضاً ، مستدلًّا في ذلك على التلاطم الفكري الناشب في صفوف المسيحيّين حيال المقولة .